مقدمة في الأمن الجماعي العربي د. محمد صادق اسماعيل

0 2٬018

شهدت العديد من بلدان العالم العربي قيام العديد من حركات الاحتجاج والتي قامت بها الشعوب العربية مطالبة بتغيير أنظمتها الحاكمة التي كانت سيطرت على مقاليد السلطة لعشرات السنوات كما كان الحال في التجربتين المصرية والليبية، وقد بدأت شرارة تلك الثورات في تونس وانتقلت منها لدول الربيع العربي مثل مصر وليبيا واليمن والتي تمكنت من التغيير الفعلي للأنظمة السلطوية المستبدة بها، بينما تظل الحالة السورية هي الحالة الأصعب والأكثر تعقيدا لتشابك الرؤى السياسية والأيديولوجية والدينية للنظام السوري ولشعبه المقهور، وفي هذا الواقع سعت الجامعة العربية للقيام بدور أكثر واقعية قادته في ذلك مبادرة قطرية لم يكتب لها النجاح ولم تعبأ السلطة السورية بقرارات الجامعة العربية أو حتى قطع العلاقات مع الدول العربية حيث واصل النظام السوري تصدير فكرة المؤامرة الخارجية وهنا تجدد الحديث عن فعالية نظام الأمن الجماعي العربي والذي لم يتخذ من الإجراءات ما يحقق الأمن للشعب السوري العربي.

      وقد وجهت عدة انتقادات لنظام الأمن الجماعي العربي كما نص عليه ميثاق الجامعة ومعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي ، ومن بين تلك الانتقادات إن نظام الأمن الجماعي العربي نص علي اتخاذ التدابير اللازمة لدفع  الاعتداء لكنه لم يضع تعريفا للعدوان، ولم يضع معايير لتحديد الطرف المعتدي والمعتدي عليه، إلى جانب عدم النص علي اتخاذ تدابير غير عسكرية ضد الدولة المعتدية من قبيل قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية وغيرها، أضف لذلك أن قمع أي عدوان علي أية دولة عربية ، كاختصاص يمارسه المجلس ، يعتبر منظما تنظيما غير دقيق ، إذ من شأن ذلك أن يجعل تدخل المجلس غير ذي فاعلية ، فمن ناحية لا يمكن للمجلس أن يتصدي للأمر من تلقاء نفسه ، وإنما لا بد من طلب من الدولة المعتدي عليها، او من ممثلها ، أو من دولة عضو (حسب الأحوال) ، ومن ناحية أخري ، حتى ولو قام المجلس يبحث الاعتداء (في الأحوال  السابقة) فإنه لا يستطيع تقرير التدابير الواجب اتخاذها ألا بالإجماع، وهو ما يعني إمكانية منع صدور أي قرار لمجرد اعتراض دولة واحدة من دول مجلس الجامعة، وهو أمر غير مقبول [i].

ومن خلال استعراض مسيرة منظومة الأمن الجماعي العربي وما صادفه من تحديات أجمع العديد من الباحثين أن تدخل الجامعة العربية كان ناجحا في حالتين فقط هما : التهديد العراقي بغزو الكويت عام 1961 والنزاع المغربي ـ الجزائري عام 1963([ii]). بيد أن أزمة الخليج الثانية عام 1990 بينت مدي عجز النظام العربي عن تطبيق نظام  الأمن الجماعي ووضع حد للإحتلال العراقي لدولة الكويت ، فقد انحسر الموقف العربي الجماعي في مسألة إدانة العدوان العراقي علي دولة الكويت ومطالبة  العراق بالانسحاب الفوري وغير المشروط  من الأراضي  الكويتية.

أما الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق في عام 2003 ، فقد جسد العجز الكبير لنظام الأمن الجماعي العربي ، وعدم قدرته علي الحيلولة دون صيانة سيادة واستقلال عضو من أعضائه، ولكن هذا الانهيار لا يرجع فقط الى القصور الشديد في آليات عمل نظام الأمن الجماعي العربي وإنما يرتبط أيضا بانهيار الأمن الجماعي الدولي الذي فشل بدوره في منع هذا الغزو. ([iii]) . وتبقي الاشكالية أمام النهوض بنظام الأمن الجماعي العربي ـ من الناحية المؤسسية علي الأقل ـ في الأخذ  بقاعدة الإجماع عند صدور قرارات مجلس الجامعة ، وهذا يعكس الحرص الشديد من جانب الدول الأعضاء علي التمسك بسيادتها الوطنية([iv]).  الأمر الذي يعيق العمل العربي المشترك ويكرس عجز نظام الأمن الجماعي العربي عن مواجهة التحديات الكبرى التي تواجهه خاصة في ظل الواقع العربي الجديد الذي فرضته تلك الثورات الشعبية.

[i] راجع في تفصيل ذلك :د. احمد الرشيدي، وظيفة جامعة الدول العربية في مجال التسوية السلمية للمنازعات: محاولة للتقويم، في: جميل مطر، ود. علي الدين هلال (محرران): جامعة الدول العربية: الخبرة التاريخية ومشروعات التطوير، القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية والمركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل،1993

[ii]) Mark W. Zacher, ” International Conflicts and Collective Security 1946. 1977. Preager Pubishers, Preager Special Studies, U.S.A 1979 , p.200.

كذلك راجع: د.ابراهيم العناني : الأزمة الدولية ، مواجهتها في :إطار  المنظمات الدولية ، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية ، كلية الحقوق ـ جامعة عين شمس ، القاهرة 1989 ، ص 10 -11

[iii]) د.عبد الحسين شعبان : جامعة الدول العربية والمجتمع المدني العربي ، مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات ، القاهرة ، 2004 ، ص 26.

[iv]) د. أحمد الرشيدي ، إحياء النظام الإقليمي العربي ، (محرر) ، مركز البحوث والدراسات السياسية ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، جامعة القاهرة ، 2001 ، ص. 69

You might also like More from author

Leave A Reply

Your email address will not be published.