الشائعات الإلكترونية: آليات جديدة للإرهاب د. محمد صادق اسماعيل

0 79

الشائعات الإلكترونية: آليات جديدة للإرهاب

د. محمد صادق اسماعيل

مدير المركز العربي للدراسات السياسية

رغم ما تقدمه الشبكات الاجتماعية من مزايا عدة، إلا أنها تحمل الكثير من المخاطر والتهديدات السلبية على أمن المجتمعات واستقرارها، خاصة إذا ما تم توظيفها من قبل المجموعات والتنظيمات الإرهابية، حيث تستخدم شبكة الانترنت وعوالمها الافتراضية فى نشر الشائعات والأكاذيب، فطبيعة هذه الشبكة تسمح لها بأن تصور لك بعض الأمور والقضايا والحوادث والمستجدات الاجتماعية والسياسية بطريقة معينة فيها الكثير من المبالغة التى لا تكتشفها إلا حين تخرج إلى الشارع وتتحدث مع آخرين فى المجالس الخاصة والعامة خاصة فى المناسبات، لتكتشف ضآلة القضية التى يجرى تداولها عبر صفحات الانترنت. وهو ما يمكن معه القول إنه فى الوقت الذى شكلت وسائل الإعلام الجديد انفتاحًا معلوماتيًا لا يمكن تجاهله، وفورية في تناقل الأخبار وصناعة الحدث، تحولت من ناحية اخرى إلى وكالات أنباء لنشر الشائعات التي يتبادلها مستخدموها إمّا قصدًا أو سذاجة، بغير علم ولا تحر لمصداقية الأخبار المتناقلة. وطالت الشائعات التي توزع وبالمجان أناساً ربما كانوا منها براء، حيث إن الخلط بين تقصي الحقيقة وزيادة وعي المجتمع، والانجراف وراء الأخبار المتناقلة من دون البحث عن مصدرها الحقيقي وحقيقة الخبر ومعالجته وطرحه بموضوعية، جعل من مواقع التواصل الاجتماعي أداة تحرك من وراء الستار من دون إدراك أو تحليل منطقي، وهو ما يمكن أن نرجعه إلى عاملين:

  • الأول، التكتلات الفكرية أو المذهبية والشللية التى يقوم بها بعض مستخدمى الإنترنت، فيضخمون حادثة بغرض التأثير على الرأى العام، ظنا منهم أن ذلك سوف يصل إلى صانعى القرار، فيبنون عليه ما سعوا إلى ترويجه وتضخيمه وبيان أهميته أو ضرره بحسب الموضوع.

  • الثانى، قيام بعض المشاركين فى تلك المنتديات باستخدام عدة معرفات (أسماء) وطرح مواضيع والتعليق عليها والاشادة بها، فينخدع كثيرون بما يطرح ويظنون أن هناك توجهًا مجتمعيًا وميلًا نحو هذا الموضوع.

ومن الأهمية بمكان التركيز على دور هذه المنتديات كأماكن لتجمع مستخدمى الإنترنت بمختلف أطيافهم ومشاربهم، حيث تذهلك هذه الحالة حينما تتأملها، وذلك حينما نجد أن هناك موضوع يقرأه عشرون أو ثلاثون ألف فى دقائق كلهم مجتمعون فى نفس المنتدى بغرض تبادل الرأى والتشاور ومطالعة ما يطرح من مستجدات والتعليق عليها..

ومما يزيد الأمر خطورة أيضًا، ما ظهر مؤخرًا من قيام عدد من مستخدمي الانترنت بتدشين مواقع وحجز دومين قريب من مواقع إخبارية او سياسية شهيرة وذلك بغية بث الشائعات والمعلومات المضللة ، واعتمد هؤلاء على حجز أسماء دومين على الانترنت إما يكون شبيها باسم آخر ويختلف فقط في آخره او ان يتم حجز نفس الاسم على نطاق مختلف .com أو .co أو . info أو .net أو .me وغيرها. ومن أمثلة ذلك موقع www.CIA-NEWS.com وهو موقع يسوق نفسه على أنه تابع لجهاز الاستخبارات الأمريكية وهو يخالف طبيعه عملها، وهو باللغه الانجليزية وهو ما يساعد في عملية نقل الأخبار المغلوطة عنه كمصادر للصحف الصادرة باللغة العربية.

وغنى عن القول إن  الأمر لم يقتصر على ذلك فحسب، بل شهدت مهددات الامن الوطنى تطورًا مهمًا نتيجة تطور البنى التحتية للمعلومات، فمع تعرف المجتمعات على وسائل وتقنيات ساهمت فى نقلها من مستوى إلى آخر، كذلك الحال تولدت نماذج من مهددات الامن الوطنى ارتبطت بنوع التقنيات السائدة فى كل مجتمع. فإذا كان صحيحًا أن التقانة بحد ذاتها أداة صماء ولكن الاستخدام السلبى لها هو الذى يشكل مثل هذا التهديد، فالطائرة والصاروخ والعربة والإنترنت والتطورات فى مجال الليزر، كلها تطورات خدمت البشرية، ولكنها فى الوقت ذاته استخدمت ووظفت فى جوانب تهدم الحياة البشرية، فقد استخدمت التقنية فى مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات نقل الشائعات وساهمت فى إخفائها وسرعة انتشارها وإتساع نطاقها وجاذبيتها وسرعة وصولها للطرف المعنى، مما جعلها تهدد الاستقرار الأمنى لأى مجتمع وتلحق الأذى والإضرار بأفراده.

ونظرا لما يوفره الانترنت كأداة اعلامية متنوعة الوسائل وسهلة الاستخدام ورخيصة التكلفة، بل وتساعد على التخفى، كما تصل فى الوقت ذاته إلى المستهدفين فى كل مكان، جعلها أداة سهلة الاستخدام للتنظيمات الارهابية فى نقل عملياتهم الى العوالم الافتراضية عن طريق تصميم مواقع خاصة بهم. ويذكر أن اول حضور لتنظيم القاعدة على شبكة الانترنت كان بتدشين أول موقع لها تحت مسمى “غرف الرصاص” عام 1999، وكان ضمن عدة مواقع أخرى لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، وظل يعمل حتى تم القضاء عليه عام 2004. إلا أن هذا لم يمنع من تأسيس مواقع أخرى منها “شبكة أبو البخارى الاسلامية”، “منتديات المأسدة الجهادية”، “شبكة المهاجرون الاسلامية”، “شبكة الفلوجة الإسلامية”، “شبكة مداد السيوف”. ورغم تدمير العديد من هذه المواقع إلا أن ثمة عدد منها ما زال موجودا. بل وفى محاولة من جانب هذه التنظيمات لتفادى تدمير مواقعها، لجأوا الى الشبكات الاجتماعية وغيرها من الوسائل كغرف الدردشة، المجموعات البريدية. والمتابع لعشرات الصفحات على تلك الشبكات الاجتماعية يجد مواد عديدة منشورة تحض على العنف وتروج للفكر الارهابى.

      على الجانب الآخر تستخدم الوسائط الالكترونية فى اشاعة الفوضى ونشرها على نطاق واسع بما يهدد كيان الدولة واستقرار المجتمع. بل يكون الهدف هو هدم الدول ومؤسساتها لصالح أطراف فى الداخل والخارج. فمن الصعوبة بمكان إغفال الدور الذى لعبته الوسائط الالكترونية وخاصة الفيس بوك وتويتر فى إثارة القلاقل والاضطرابات بل و نشر الفتنة واثارتها من خلال ما تبثه من معلومات تسئ إلى البعض على حساب الآخر، حيث المجال متاح للنقاش غير المنضبط المشتمل على القذف والشتم، حيث نجد كثير من الحوادث البسيطة جدًا يتم تضخيمها وتصويرها على أنه صراع طائفى مذهبى ويحاول هؤلاء استغلالها لأغراض ومآرب تصب فى صالحهم على حساب مصالح المجتمع وأفراده.

You might also like More from author

Leave A Reply

Your email address will not be published.